الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

40

تفسير روح البيان

أيقظنا اللّه تعالى وإياكم وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ابن آموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق ابن إبراهيم عليه السلام وأمه من أولاد لوط بن هاران وزوجته رحمة بنت افرائيم بن يوسف عليه السلام أوليا بنت يعقوب عليه السلام ولذا قال في كشف الاسرار كان أيوب في زمان يعقوب أو ما خير بنت ميشا بن يوسف والأول أشهر الأقاويل قال القرطبي لم يؤمن بايوب إلا ثلاثة نفر وعمره ثلاث وتسعون وقوله أيوب عطف بيان للعبد إِذْ نادى رَبَّهُ بدل من عبدنا اى دعا وتضرع بلسان الاضطرار والافتقار أَنِّي اى باني مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ أصابني وبالفارسية [ ديو بمن رسيد ] فتكون الباء في قوله بِنُصْبٍ للتعدية اى تعب ومشقة وكذا النصب بفتحتين وَعَذابٍ العذاب الايجاع الشديد اى ألم ووصب يريد مرضه وما كان يقاسيه من فنون الشدائد وهو المراد بالضر في قوله في سورة الأنبياء ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به بعبارته والا لقيل انه مسه إلخ وليس هذا تمام دعائه عليه السلام بل من جملته قوله ( وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) * فاكتفى هاهنا عن ذكره بما في سورة الأنبياء كما ترك هناك ذكر الشيطان ثقة بما ذكر هاهنا فان قلت لا قدرة للشيطان البتة على إيقاع الناس في الأمراض والأسقام لأنه لو قدر على ذلك لسعى في قتل الأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين فهو لا يقدر ان يضر أحدا الا بطريق إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة فما معنى اسناد المس اليه قلت إن الذي أصابه لم يصبه الا من اللّه تعالى الا انه أسنده إلى الشيطان لسؤال الشيطان منه تعالى ان يمسه اللّه تعالى بذلك الضر امتحانا لصبره ففي اسناده اليه دون اللّه تعالى مراعاة للأدب - روى - ان أيوب عليه السلام كان له أموال كثيرة من صنوف مختلفة وهو مع ذلك كان مواظبا على طاعة اللّه محسنا للفقراء واليتامى وأرباب الحاجات فحسده إبليس لذلك وقال إنه يذهب بالدنيا والآخرة فقال الهى عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع النعمة والعافية لتغير عن حاله فقال تعالى انى اعلم منه ان يعبدني ويحمدنى على كل حال فقال إبليس يا رب سلطني عليه وعلى أولاده وأمواله فسلطه على ذلك فاحرق زرعه وأسقط الابنية على أولاده فلم يزدد أيوب إلا حمدا لربه ثم نفخ في جسده نفخة خرجت بها فيه النفاخات ثم تقطرت بالدم الأسود وأكله الدود سبع سنين وهو على حاله في مقام الصبر والرضى والتسليم فكان بلاؤه امتحانا من غير أن يكون منه ذنب يعاقب عليه ليبرز اللّه ما في ضميره فيظهر لخلقه درجته اين هو من ربه كما ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وعلى هذا القول اعتماد الفحول فدع ما عداه فإنه غير مقبول وفي التأويلات النجمية يشير بقوله ( وَاذْكُرْ ) إلخ إلى معاني مختلفة منها ان من شرط عبودية خواص عباده من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء والرضى بجريان احكام القضاء ومنها ليعلم ان اللّه تعالى لو سلط الشيطان على بعض من أوليائه وأنبيائه لا يكون لاهانتهم بل يكون لعزتهم واعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم العبدية ودرجة الصابرين المحبوبين ومنها ان العباد من الأنبياء والأولياء لو لم يكونوا في كنف عصمة اللّه وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب ومنها ان من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضر والبلاء والمحن عليها لا على الشيطان كما قال يوسف عليه السلام ( وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي )